KidsOut World Stories

جمال الاختلاف    
Previous page
Next page

جمال الاختلاف

A free resource from

Begin reading

This story is available in:

 

 

 

 

جمال الاختلاف

قصة إيرانية

 

 

 

 

 

*

كانت شيرين لاتزالُ فتاة صغيرة قليلًا عندما أرسلها والداها بعيدًا عن موطنها طهران للعيش في مدينة كبيرة في إنجلترا تسمى لندن.

لم تعجب شيرين بفكرة الذهاب للعيش مع أقربائها في إنجلترا، لكن والدتها قالت لها: «هذا أفضل، يا صغيرتي. لم يعد الوضع آمنًا هنا وستحظي بحياة جديدة مثيرة في إنجلترا وستكوّنين جميع أنواع الصداقات الجديدة».

أرادت شيرين الصغيرة البكاء لأنها أحبت والدتها ووالدها كثيرًا ولم ترغب في تركهما. كما أنها لم تكن تعرف أقرباءها على الإطلاق. فقد كانوا قد زاروهم مرة واحدة فقط وكانت شيرين صغيرة جدًا على فهم ما كانوا يقولونه لأنهم لم يتحدثوا اللغة الفارسية، وهو أمر تعجبت منه شيرين تعجّبًا كثيرا.

وجاء اليوم وقادت والدة ووالد شيرين الفتاة معهما إلى المطار حيث ستصطحبها خالتها إلى الطائرة.

قالت شيرين «أنا خائفة»، بينما سار بها والدها ووالدتها إلى المقصورة الصغيرة التي يوجد بها رجل سيلقي نظرة على جواز سفرها ويتفحص تذكرتها.

سألها والدها «كيف لكِ أن تكوني خائفة؟ ألستِ أنت الفتاة الشجاعة التي لم تشعر بالخوف أبدًا عندما كنا نسمع القنابل وهي تسقط على المدينة؟ ألَستِ أنتِ الفتاة التي أصرّت دائمًا على أن تذهب إلى المدرسة كل يوم حتى عندما كانت الفتيات الصغيرات الأخريات تشعرن بالخوف الشديد وتبقين في المنزل مع آبائهن؟»

وقالت شيرين «هذا أمر مختلف. هذا هو موطني.»

جثَت والدة شيرين على ركبتيها بجانب الفتاة الصغيرة وعانقتها ومسّدت شعرها. قالت لابنتها: «أعلم أنك ستجعليننا فخورين بك يا صغيرتي. لا تقلقي، قريبًا سنأتي أنا ووالدك إلى إنجلترا ويمكنك أن تُرينا كل شيء في لندن. أنا واثقة من أنك ستتحدثين الإنجليزية بشكل أفضل من الآن، ويمكنك تعليمي بعض الكلمات الجديدة».

أعجبت شيرين بفكرة تعليم والدتها كلمات جديدة لأن شيرين كانت تعتقد أن والدتها هي أذكى شخص في العالم كله.

قالت الفتاة الصغيرة: «أظن أنني يمكنني فعل هذا» بينما أخذتها خالتها من يدها وذكرت لها أنه قد حان وقت ركوب الطائرة قبل إقلاعها دونهما.

أثناء الرحلة الطويلة إلى إنجلترا، حاولت شيرين أن تتخيل ما ستبدو عليه حياتها الجديدة. وكانت عازمة على أن تبلي بلاءً حسنًا في المدرسة، وقالت لنفسها أنها ستجعل والديها فخورين جدًا بها.

وقالت لنفسها: «يمكنني فعل ذلك. يمكنني القيام به بسهولة وكأنني أقطف أزهارًا».

ثم نامت الفتاة الصغيرة وحلمت بما ستبدو عليه لندن. حلمت بساعات طويلة وأنهار عريضة، وتخيلت رجالًا كبارًا في السن يرتدون قبعات مستديرة، ونساء يحملن مظلات، وحافلات حمراء ومنزل كبير تعيش فيه الملكة مع جميع حرّاسها الذين يرتدون قبعاتهم الطويلة ذات الوبر وأحذيتهم الطويلة.

*

لكن عندما وصلت إلى مطار لندن، لم يكن الأمر كما تخيلت على الإطلاق. كانت السماء ذات لون رمادي بشع وكانت هناك رياح شديدة وكانت السماء تمطر. تمنت شيرين لو أنها لم ترتدِ صندلها لأن أصابع قدميها كانت شديدة البرودة. والأسوأ من ذلك كله... الأسوأ من ذلك كله هو الشعور بأن الجميع كانوا ينظرون إليها كما لو كانت مخلوقًا غريبًا برأس كبير وثلاث عيون.

ولدهشتها، لاحظت شيرين أنها الوحيدة التي كانت ترتدي الجادر. كانت تقف على مقربة منها فتاة أشارت إليها وضحكت وسألت والدتها «لماذا ترتدي قماشًا كبيرًا يلتف حولها كذلك؟»

سحبت الأم طفلتها الصغيرة بعيدًا وقالت لها إنه من غير الأدب الإشارة على الآخرين. أرادت شيرين أن تقول للفتاة الصغيرة أن هذا ليس قطعة قماش كبيرة، وأنه الجادر وأن الكثير من الفتيات في طهران تلبسنه هُنَّ وأمهاتهنّ وجدّاتهنّ لأنه جزء من ثقافتهن.

وبالطبع أرادت شيرين أن تنزع الجادر عنها لأنها لم تحب أن يحدق فيها الآخرين بهذا الشكل، وتمنّت لو كانت تعود لطهران حيث الجو المشمس وحيث تكون أصابع قدميها دافئة مرة أخرى.

«فلنوصلك إلى المنزل»، قالت لها خالتها وهي تسرع وتضع الفتاة الصغيرة في سيارة أجرة سوداء كبيرة ، على سقفها ضوء برتقالي اللون.

ظنت شيرين أن سائق الأجرة كان غريبًا في حديثه. لم تكن إنجليزيته كالإنجليزية التي علّمها لها مُعلّمها رحيمي على الإطلاق. فقد كان يقول كلماتٍ بلهجةٍ محلية مثل «بلايمي» —يا إلهي— و«أورايت لوف، إلى أين؟» —حسنًا يا عزيزتي، إلى أين؟—   لم تفهم شيرين الصغيرة تلك الكلمات، ولكن لحسن الحظ بدا أن خالتها فهمت ما يقول، وسرعان ما انطلقوا داخل المدينة وباتجاه منزلها الجديد.

أرادت شيرين أن تسأل خالتها لماذا لم تكن ترتدي الجادر في إنجلترا رغم أنها كانت دائمًا ترتديه عندما كانت تزور والدتها في طهران. ظنت الفتاة الصغيرة أنه «لابد وأنها متخفية». لكن تذكرت شيرين أيضًا أن والدتها كانت دائمًا تخبرها بأنه لا فائدة من محاولة إخفاء نفسك الحقيقية عن الآخرين، لذلك تساءلت شيرين عن سبب تخفّي خالتها وهي في إنجلترا.

اتضح أن لندن مكان غريب للغاية. فالسماء كانت تمطر كل يوم في الأسبوع الأول ولم تحب شيرين الصيف البريطاني على الإطلاق. واجهت صعوبة في فهم ما يقوله الناس على الرغم من أنه قيل لها أن لغتها الإنجليزية جيدة جدًا. واتضح أنه لا يمكن لأي شخص الذهاب وإلقاء التحية على الملكة في منزلها الكبير رغم وجود مئات الغرف في المنزل بالتأكيد التي يمكنها الترحيب بالزوار فيها وشرب الشاي.

كانت الفتاة تشعر بالإحباط الشديد في منزلها الجديد، وكانت تشتاق لوالدتها ووالدها وصديقاتها. حتى الطعام كان مختلفًا: فقد كان لونه رمادي كالجوّ، ويبدو أنه كان يأتي في صناديق من الفريزر، ليس كطبق الفاصوليا بالأرز والزعفران الذي كانت تطهوه والدتها، أو الأرز المقرمش الذي كان مليئًا بالألوان ولذيذ الطعم.

وعندما حلّ اليوم الذي كانت شيرين ستذهب فيه لمدرستها الجديدة، كانت شديدة التوتر وحاولت أن تقنع خالتها أنها كانت مريضة جدًا ولا تستطيع ترك السرير.

اعترضت قائلة «لا أريد الذهاب. لا أعرف أحدًا، ولا يتوقف الناس عن التحديق فيّ!»

قالت خالتها «ياصغيرتي! توجد الكثير من الفتيات في المدرسة اللاتي ترتدين الجادر تمامًا مثلك. وأنا متأكدة أنكِ ستكوّنين الكثير من الصداقات الجديدة اليوم. اصبري فقط وسترين».

ولكن لم تسِر الأمور بهذا الشكل أبدًا، على الأقل ليس في البداية. كانت توجد بالفعل فتيات أخريات ترتدين الجادر، ولكنهن كُنَّ أكبر من شيرين ورفضن التحدث معها.

أشارت إليها الفتيات اللاتي في فصلها وضحكن. كُنَّ جميعًا ذوات شعرٍ بني فاتح أو أشقر، وعينين زرقاوين، ولم يرِدن مصاحبة الفتاة الجديدة لأنها كانت مختلفة عنهن وكانت بشرتها داكنة وعينيها داكنتين وكانت ترتدي الجادر. لم يكن شعور الاختلاف الكبير عن الآخرين جيدًا، وعادت شيرين لتتمنى لو تعود لمنزلها مع والدتها.

أثناء وقت استراحة الغداء، بينما كانت جالسة في زاوية الملعب تخطط لهربها الكبير والعودة إلى طهران، اقترب ولد صغير من شيرين الصغيرة.

قال الولد «اسمي ستيفن. هل تودين مشاركتي بعض مخفوقِ الحليب الخاص بي؟»

وبالتالي، أعطى الولد الصغير لشيرين مخفوق الحليب  بالفراولة تعلوه شفاطة.

أعجبت شيرين كثيرًا بطعم مخفوق الحليب واضطرت إلى أن توقف نفسها عن شربه بالكامل.

"لا تهتمي بالآخرين. فهم يعاملونني أنا أيضًا بلؤم أحيانًا لأنني أعيش مع أمي. لقد ترَكَنا والدي منذ زمن طويل ونعيش نحن الاثنين فقط. أمي رائعة وحقًا تعتني بي جيدًا ،لكن ليس لدينا الكثير من المال وهم يستهزؤون بي دائمًا لأنهم يقولون إنني فقير وملابسي قذرة.» نظر ستيفن إلى سترته وحذائه وهزّ كتفيه قائلًا «إنها ليست قذرة، هي فقط قديمة».

وابتسم الولد الصغير فجأة وقال «على أي حال إنهم ساذجون. ولا يعرفون شيئًا!»

ضحكت شيرين لأن ستيفن كانت له ابتسامة جميلة، كما تكوّن على شاربه فراولة كثيرة بسبب إخراجه الشفاطة من مخفوق الحليب وشربه من الزجاجة مباشرة وفي رشفة واحدة وهو يصدر صوت قرقرة.

وكان على الفتاة الصغيرة الاعتراف بأنه لم يسبق لها أن أزعجتها آراء الآخرين أبدًا ، فلِم تُزعجها الآن؟

»أنت مُحقّ، هم لا يعرفون شيئًا على أي حال!» ومقابل مخفوق الحليب الذي أعطاها صديقها بعضًا منه، أخرجت شيرين أربع قطع من البقلاوة من جيبها وشاركت صديقها الجديد الحلوى اللذيذة.

«إن حجابك يبدو رائعًا» قالها ستيفن وهو يلتهم قطعة كاملة من البقلاوة دفعة واحدة.

قالت له شيرين: «اسمه الجادر».

قلّب الفتى الصغير الكلمات في فمه مع البقلاوة السكرية.

«على أي حال، شكله جميل حقًا»، قال ستيفن.

وفجأة، رفع ستيفن سترته على وجهه حتى بدا أنه هو أيضًا يرتدي نوعًا من الجادر. ضحكت شيرين مرة أخرى لأن شكل الولد كان مضحكًا حقا. وفكرت في أن والدتها ووالدها سيُعجبان بستيفن كثيرًا لأنه كان شخصًا قويًا وكان ينظر للجانب المشرق للحياة دائمًا، وهو الأمر الذي قالت عنه والدة شيرين بأنّه مهم جدًا أن يفعله الناس.

وسرعان ما انخرط الاثنان في ألعاب التخيّل والمغامرات، وكانا يركضان معًا في زاوية الملعب، ويطاردان بعضهما البعض في كل مكان. كما تبادلا حكايات، وحكت شيرين لستيفن عن الحياة في طهران بكل ما فيها، كما حكى ستيفن لشيرين عن الأمور الرائعة التي يمكن القيام بها في لندن، مثل اللعب في الحديقة الكبيرة، أو الذهاب إلى حديقة الحيوانات، أو إلى السينما. وكانت توجد أيضًا عجلة ضخمة يمكنك ركوبها.

«لقد بنوها على أطراف نهر التيمز مباشرة. وهي هائلة!» هتف وهو يصنع دائرة كبيرة بذراعيه في الهواء.

ولم يمضِ وقت طويل حتى أدرك الأطفال الآخرين الوقت الممتع الذي يقضياه شيرين وستيفن، وسرعان ما بدأوا في التجمع حولهما والانضمام لألعابهما وحكاياتهما.

وقبل أن يرنّ جرس استدعاء الأطفال للعودة إلى الفصل، تجمعت مجموعة كبيرة من الأطفال حول شيرين واستمعوا لها وهي تحكي قصصًا عن حياتها في طهران؛ عن كيفية اختبائها تحت سريرها عندما سمعت القنابل تسقط من السماء ليلاً، أو عن زيارتها لعمّها المجنون الذي كان يعيش في منزل كبير على الشاطئ الذي ذهبت إليه لقضاء العطلات. اندهش الأطفال لسماع مثل هذه القصص ولم يتمكنوا من منع أنفسهم من طرح الكثير من الأسئلة التي أجابت عليها شيرين بسرور.

وفي المقابل، سألتهم شيرين عن سبب برودة إنجلترا الشديدة حتى وهم في فصل الصيف، وعن سبب عدم حب الملكة للزوار. وقد أضحكت الأطفال هذه الأسئلة.

وفي النهاية، اضطرت المُدرِّسة للخروج إلى الملعب والنداء على الأطفال للعودة إلى الفصل لأنهم لم يسمعوا الجرس يرن حيث كانوا مستمتعين كثيرًا.

وفي طريق عودة شيرين من الملعب، شعرت الفتاة بالكثير من الامتنان لستيفن لأنه من أراها أمرًا مهمًا للغاية.

«لا بأس في أنني مختلفة، بل في الحقيقة، هو أمر جميل» قالت لنفسها، وبعد أن رسخت هذه الفكرة في رأسها، كانت شيرين عازمة على بناء حياة جديدة لها في إنجلترا وأن تجعل والديها فخورين بها كثيرًا. وفكرت في نفسها «من يدري؟ لعلّ أمي وأبي سيعرفان كيف سأتمكن من مقابلة الملكة عندما يأتيان».

Enjoyed this story?
Find out more here